الطقوس في الحياة المدرسية


بقلم. منعم بناني
يرى الباحث والانثروبولوجي الالماني "كريستوف فولف" في كتابه "Rituels"《ان الانثروبولوجيا الاجتماعية هي العلم الوحيد في مجال العلوم الانسانية الذي اهتم بدراسة الطقوس، غير ان هذا الواقع قد تغير  الان وهذا انطلاقا من ادراكنا بان الطقوس لها دورا مهما في انشاء المجتمعات والحفاظ عليها وتطويرها بشكل اكبر مما يمكن تصوره》. ويلح فولف على ضرورة توفير وعي وفهم لدور الطقوس في حياة الناس لمساعدتهم في ايجاد وجهة وطريق في الحياة. وبالفعل فالطقوس هي عمليات اجتماعية معقدة ومتنوعة بشكل واسع في محتواها وبمعانيها تحدث نتيجة الممارسات الجماعية والفردية. وتضم ممارسة الطقوس عدة نشاطات مثل الصلوات ، والاحتفالات، والاتفاقيات. ومن الطقوس الدينية نذكر منها المناسبات والاحتفالات مثل الزواج والولادة والوفاة، وجميع الطرق التواصل الحياتية. ويبحث موضوع الطقوس في قضايا انسانية عديدة  منها الحاجة القيم الاجتماعية، والبحث عن الهوية الحضارية والطقوس المجتمعية وهي ايضا قادرة على الترابط الحضاري بحكم تقديمها لبعض الممارسات المدنية مثل الجمال والاخلاق، وتعزز الطقوس الاحساس بالانتماء والهوية والاصالة في المجتمعات التي يعيش فيها الافراد، بهذا نلاحظ ان الغرض من هذه الطقوس هو  تحقيق في الكثير من الاحيان الترابط والتماسك الاجتماعي والذي يتم في الغالب عن طريق مجالات التنشئة الاجتماعية الاربعة وهي الاسرة والمدرسة والبيئة الاجتماعية(التجمعات) والسطوة الاعلامية.
سنقتصر في هذا المقال على المجال الثاني وهو المدرسة باعتباره المجال الذي يقضي فيه التلاميذ والطلاب معظم اوقاتهم؛ وهنا نتساءل كيف يمكن للمدرسة كمؤسسة اجتماعية تحمل على عاتقها تكوين الافراد معرفيا وقيميا وان تخلق التماسك الاجتماعي في حياة الشباب من خلال الطقوس ؟
يعتقد الباحث السوسيولوجي والانثروبولوجي "بن محمد قسطاني" ان البحث السوسيولوجي غالبا ما يهتم بما هو مؤسساتي في حين ان البحث الانثربولوجي يهتم بالممارسات، ونعتقد نحن أن عناق إحدى الفروع العلمية السابقة  في مقاربة بعض الظواهر الاجتماعية  غالبا ما يجعل الباحث بعيدا عن تملك او على الاقل ملامسة عمق موضوع بحثه. لهذا تأسيسا على هذه الرؤية سنعمل في هذا المقال على المزاوجة بين الرؤية السوسيولوجيا التي تتيح فهما لتنظيم المدرسة والرؤية الانثروبولوجيا  تسعى الى فهم الممارسات الافراد داخل المدرسة.
يرى "كريستوف ولف" في كتابيه"anthropologie de l'éducation" 《ان الطقوس الاجتماعية تصبح ممكنة من خلال العمل المحاكي والسلوك، فأحد الأسباب المهمة لهذا، يكمن في الطبيعة الاستثنائية للأداء الاجتماعي، حيث تتم التبادلات الاجتماعية وتنفيذها، وفي الوقت نفسه، فإن الطقوس وعملها عبارة عن إصدارات محاكية، إذ يتاح للفاعلين في عملية الطقوس الفرصة لتغيير هذه الطقوس وفقا لسياقهم الاجتماعي، وتحدد العلاقة مع التاريخ الاجتماعي في المناسبات التي يحدث فيها التغيير؛ فالفرصة متاحة لتعديل خلاق لبعض هذه العلاقات لتوفير إدراج التعديلات المستقبلية بشكل متزامن، ويمكن النظر إلى الطقوس على أنها "نوافذ" يمكن من خلالها مراقبة الديناميات الاجتماعية، وأيضا كنوافذ تمكن الأفراد من خلق وتغيير بيئتهم الثقافية، والحفاظ عليها.》وبالفعل ،إن الطقوس وأشكال سن الطقوس هي انماط متكررة من الاجراءات التفاعلية التي من خلال(التعبير الجسدي، الإيماءات ، الترتيبات ذات المنظر الخلاب) تشكل وتؤكد الحدود والاعراف والممارسات والقيم والمعايير التي تطبق داخل مجتمع معين. 
وتعتبر الطقوس الصغيرة محط الدراسة ، وذلك عندما يتعلق الامر بإعادة بناء عالم المدرسة اثنوغرافيا. حيث يجسد الطفل هذه الطقوس عن طريق أدوار متعددة ومختلفة داخل المدرسة، من بينها الدور الذي يقوم الطفل مع اصحابه باعتباره نوع من الطقوس، والدور اخر الذي يقوم به مع الاطفال في الصف، وهو ينتقل ذهابا وايابا بين كلا الدورين الى جانب دور اخر وهو  التحول من وقت الفراغ الى وقت الحصص الدراسية. كل هذه الادوار هي تمثل في حقيقة الامر طقوسا داخل المؤسسة المدرسية ، حيث يطور الأطفال والتلاميذ من ثقافتهم الجماعية بشكل كبير أثناء اللعب مع زملائهم أو اصدقائهم فيتم تجسيد العديد من الالعاب في الممرات المدرسية. بالاضافة الى ان الرحلات المدرسية تعد في حد ذاتها  من أفضل الطقوس التي يمارسها الطلاب في المدارس وتعتبر من انجح الوسائل في العملية التعليمية لجذب انتباههم للعملية التعليمية وتحسن من نموهم العقلي وذهني. و عن طريق هذه الطقوس يتشكل الحس الاجتماعي بطريقة أدائية لدى الطلاب في الحياة المدرسية اليومية خاصة في التحول بين وقت الفراغ الى وقت الدرس، فبواسطة هذا التحول تنتقل الاحداث من داخل واحد الى الاخر.تكمن هنا المواقف والسلوكيات المختلفة للاطفال وحالات رئيسية متنوعة من الانشطة المدرسية والتي يكون لها سلاح ذو حدين اما ان يكون لهذه الطقوس دورا ايجابيا في خلق التماسك والترابط الاجتماعي، واما دورا سلبيا ينتج عنه التفكك وانهيار القيم التي توحد المجتمع والافراد داخل نسق اجتماعي معين.
من خلال ماسبق يمكن القول ان الطقوس في الحياة المدرسية لها أدوار مهمة في بناء شخصية الافراد وتقوية مواقفهم اتجاه الاخر، بالاضافة الى انها تساهم بشكل فعال في احداث وخلق التماسك الاجتماعي لكن شريطة ان تكون هذه الطقوس منظمة من طرف المؤسسات التعلمية والاطر التربوية، لان في غالب الاحيان ما ينظر لها كأمور ثانوية في حين يتم تركيز فقط على طريقة التقليدية في تلقين الدروس بطريقة صارمة. لهذا لابد من النظر الى الطقوس كبيداغوجيا الغرض منها تقوية التماسك الاجتماعي؛ خاصة في هذه الظروف والصراعات التي تمر منها معظم الدول في العالم العربي.
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات