ظاهرة الاغتصاب إلى أين ؟

بقلم عزيز أمعي

فيديو اغتصاب التلميذة  -خولة -في أحد شوارع مدينة بن كرير في واضحة النهار بكل وحشية ،بينما كان صديق المعتدي يصور ما يقع  بكل برودة دم كأنه يصور مشهدا سينمائيا من أفلام الأكشن والرعب . الفيديو الذي لم يتم الكشف عنه إلا بعد مرور شهرين تقريبا ، انتشر في كل وسائل التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم ،مما شكل صدمة اجتماعية لكل المواطنين الذين نددوا جميعا بهذا الاعتداء الشنيع الذي جعل كلألأسر تصاب بفوبيا أن تتعرض فلذات أكبادهم لنفس ما تعرضت له خولة  .
هذا الحادث المروع يعيد مرة أخرى طرح سؤال أسباب تنامي ظاهرة التحرش بهذا الشكل الفظيع واللاإنساني في المجتمع المغربي. هل أصبح هذا المرض مستفحلا  إلى درجة أن حمى الاعتداء على  الآخر، خاصة النساء، بلغت أعلى الدرجات مما أصبح يندر بالخطر ويستدعي أنجع الحلول .لاشك أن الأمر كذلك وإلا ما سر هذه الاعتداءات الوحشية التي أصبحت بناتنا تتعرض لها .
 المغاربة جميعا لم ينسوا بعد عمليات اعتداء مشابهة تعرضت لها فتيات سواء في الحافلات أو في أماكن عديدة . نذكر على سبيل المثال ما تعرضت له فتاة على متن حافلة بمدينة الدار البيضاء من تحرش جنسي من قبل ستة شبان ،اعتدوا عليها أمام الملأ وتحت عدسة تصوير أحد المعتدين .قضية الفتاتان بمدينة انزكان والتي أثرت بدورها موجة غضب واحتجاج كل مكونات المجتمع المدني بسبب التحرش الذي تعرضتا له ، بتهمة الاخلال بالحياء العام ،وغيرها من أحداث كثيرة ومتشابهة تجعل ناقوس الخطر يرن بقوة منبها إلى الخطورة التي أصبحت تهدد المجتمع بخصوص  آفة التحرش الجنسي التي ما فتئت تتنامى فيه .
لا أحد ينكر أن المغرب كغيره من البلدان العربية و الإسلامية تعرض ويتعرض في ظل العولمة  لتحولات جذرية على المستوى الاجتماعي والسياسي .مما جعل قيم التآخي والتسامح وصيانة كرامة المرأة كأم وزوجة وابنة قد بدأت تفقد معناها لتنزل إلى أسفا درجات سلم القيم الإيجابية ببلدنا العزيز .كان المغرب وقبل هبوب تسونامي الثورة الالكترونية ، والتي يمكن اعتبارها أهم وأخطر ما اكتشفه الإنسان  حتى الآن ،منعزلا نسبيا ومحمي إلى حد ما من تأثير القيم السلبية التي حملتها الفضائيات المتعددة ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة .التعايش مع العنف الجسدي و الصور والأشرطة الإباحية الخليعة والحث على العنف والارهاب وتحبيبه لليافعين ، كل هذا  جعل فئة مهمة من الشباب يتأقلم ويتبنى ثقافة العنف بكل أشكاله من التحرش الجنسي إلى تفجير الذات بواسطة حزام ناسف في الأماكن العمومية ،مما ينجم عنه قتل أناس لا ذنب لهم ولا جريرة إلا أنهم كانوا في المكان والزمن ين الخطأ ين .
 الانسان كان ولا يزال أهم ثروة يمكن أن تساهم في رقي البلدان وتسمو بها إلى أعلى قمم الرفاهية والازدهار. يتحقق ذلك  حين تكون الإرادة السياسات حاضرة والخطط الاجتماعية والاقتصادية واضحة والمواطن هو قطب الرحى في خطط التنمية .لكن حين ميزان تكافؤ الفرص وتغيب خيارات الحكومة بشكل صارخ العناية بكل ما هو اجتماعي ، يكون المنتوج الناجم عن السياسات اللاشعبية ، منتوجا مسلوب الإرادة عدواني ،مغترب في وطنه وبين أهله وعشيرته ، أو على حد قول أب المعتدي على التلميذة خولة ،واصفا ابنه وهو يدافع عنه أنه أصبح (دايخ).وأكبر دليل على ما نقول هو أن الدول الديمقراطية بحق ، لا يشكو أفراد مجتمعها من هذه الظواهر اللاأخلاقية التي يعاني منها مجتمعنا ، في كل دول أوربا تخرج الفتاة أمنة على نفسها في كل وقت وحين ،لا تخشى على نفسها من أن تتعرض للاغتصاب ، ولا تخشى على أذنها حتى من كلمت "مانشفوكش".في بلدنا العزيز لا يمكن لفتاة خاصة إذا كانت جميلة أو على الأقل مقبولة المظهر أن تخرج لوحدها إلى الشارع للتنزه أو قضاء حاجة من حاجاتها ،لأن المتربصين بها سيعيدونها إلى بيتها حزينة مكتئبة.
أين الخلل إذن ؟الجواب بسيط وقد أشرنا إليه في ما سبق من هذه الورقة ، الحكومات المتعاقبة على تسيير الشأن السياسي في هذا البلد ، أولوياتها تنحصر في الحفاظ على التوازنات الاقتصادية، والتطبيق الحرفي لتعليمات الصندوق الدولي .تهتم بتقليص عجز الميزان التجاري ، وتركز أكثر على المقاربة الأمنية كعلاج ناجع لمجابهة الاحتجاجات الشعبية .باختصار الاهتمام بكل شيء إلا بما يصلح حال عيش المواطن ، هذا الكائن الذي هو بداية ونهاية الحكاية . ما يترتب عن كل هذا : تعليم،مبهذل، بشهادة أعلى سلطة في البلاد ،لا يفرخ إلا العاطلين .  تعليم معاق لا علاقة له بالتربية وبروح المواطنة ، نسبة بطالة ترتفع سنة بعد سنة ،مساجد يؤمها المواطنون يحدثهم أأمتها عن إنجازات السلف الصالح من أعمال جليلة ، كأنهم يقولون لمن حضر لقد ناب عنكم المسلمون الأوائل في العمل والقيام بكل الواجبات  ، وما بقي لكم سوى النوم والكسل والاقتداء بهم في العفو عن اللحى وقص الشارب ، والاستشهادبالأحزمةالناسفة لكل من أراد أن تستقبله  حور العين في الضفة الأخرى من الانفجار .
لن تنهي هذه الفواجع التي تتعرض لها بناتنا ، بالقصاص من المعتدي على خولة أو غيره من المعتدين ، لأن كل فتاة مرشحة لاعتداء مماثل من طرف أحد الوحوش الذين بدأوا يتناسلون في غابة المجتمع بشكل رهيب . لا سبيل للقضاء على الظاهرةإلا بالفهم العلمي لأسبابها ، وبالعمل على علاج هذه الأسباب علاجا ناجعا وفق مقربة شمولية تستحضر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ،وإلا فإن القادم سيكون أهول ،وقد اعدر من أندر.


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات