الفلسفة والدين هل يمكن أن يتساكنا في المقررات الدراسية

بقلم عزيز أمعي

دخول الفلسفة إلى صرح الحضارة العربية جاءمتأخرا ،ولم يستقم الدين الصحيح وتتوحد رؤية الانسان إلى الله والوجود لدى الغرب  إلا بعد ظهور الديانة السماوية الأخيرة والتي هي الأسلام .وكماواجه الدين الاسلامي مقاومة في الدخول إلى مكة وباقي قبائل الجزيرة العربية  ، كذلك عانت الفلسفة الأمرين في أخذ مكانة لها في الأمبراطورية الأسلامية التي امتدت بعد تشكيلها من المحيط الأطلسي حتى  بلاد الهند .الفلسفة وظفت في سياق صراع سياسي مرير بين الخلفاء  حول السلطة ، وقد بلغت الفلسفة أوج عطائها   في عهد الدولة العباسية ، حين كان أصبح الاعتمادعلى الأرث اليونلني في مجال الفلسفة ضرورة لا بد منها لافحام الخصوم واضفاء الشرعية على القرارات السياسية .كان الصراع السياسي إذن مسوغ اللجوء إلى العقل الفلسفي لمواجهة النقل الديني.كان  المتصارعون حول السلطة  يوظفون الدين والفلسفة وينتصرون لأحدهما ضد الآخر حسب المصلحة ، ويكفي أن نذكرفي هذا المقام كيف أجبرالخليفة المتوكل بضغط من الفقهاء على عزل الكندي الفيلسوف الشهير كطبيب قصر الخلافة العباسية ،ومن عمله في ديوان الخراج ، ليصبح للنقل الغلبة على العقل .لكن ما أن انقلب المامون على أخيه الأمين حتى أصبح للفلسفة والعقل الأولية على منطق الفقهاء النقلي وأصبح للمعتزلة الأمر الحسم فقهيا وسياسيا في عهد المامون .أوردنا هذه المقدمة لنؤكذ أمرا معروفا لدى الكثير من القراء ، وهو أن حضور الفلسفة في تاريخ المسلمين كانه يعرف مدا وجزرا ،بل وفي بعض الأحيان انتكاسات خطيرة كان لها الأثر السلبي على تقدم الأمة ، نذكرعلى سبيل المثال لا الحصر  مأئساة ابن رشد مع الفقهاء في الغرب الإسلامي .ومنذ ذلك العهد والفلسفة توسم بالزندقة وكل الصفات السلبية ،كل هذا أثر على مستقبل تدريس الفلسفة في بلادنا .وحين تبنت الدولة تدريسها في المؤسسات  الثانوية والجامعية ، كان التبني موسوما بالخجل ، بحيث إن تدريسها اقتصر على السنتين الأخيرتين من التعليم الثانوي ،وكليتين هما :كلية فاس  وكلية الرباط  وإلى الآن لا تدرس الفلسفة في كل الجامعات المغربية .وعلى الرغم من أن وزارة التربية اقتصرت في السابق على كليتين كما أسلفنا ، فقد كانت شعبة الفلسفة حاضرة بقوة  وأساتذتها وطلبتها حققوا الامتياز والحضور على مستوى الأنتاج المعرفي بشكل جيد ،مما جعل الفلسفة تتبوأ الصدارة في العالم العربي .هذه الريادة ساهمت فيها الظروف السياسية التي كان يشهدها العالم قبل انهيار الإتحاد الإشتراكي حيث كان المد الأشتراكي بكل مرجعياته الماركسية اللينينة حاضرا بقوة،مما أعطى لليسار المغربي دفعة مهمة  وأصبح حاضرا بقوة بكل أطيافه في المشهد السياسي المغربي.
التطورات السياسية التس سيعيشها المغرب في السبعينات والثمانينيات ، ستجعل الحكومات المتعاقبة تفكر في كسر شوكة المد الفلسفي في الجامعات ،بإدخال شعبة جديدة تعزز الشريعة الإسلامية التي كانت تدرس سابقا في الكليات المغربية ،وهذه الشعبة هي الدراسات الإسلامية ،مما أدى بالفلسفة الى التراجع لصالح الدراسات الإسلامية .

اقصاء الفلسفة والانتصار للدراسات الإسلامية لم يحقق ما كان مرجوا منه ، فقد نجم عن هذا الخيار بروز الفكر الظلامي الذي يكفر كل ما هو حداثي ، هذه الظاهرة التي ستساهم فيها عوامل سياسية أخرى لتصبح ظاهرة الارهاب  الشبح المخيف الذي يقض مضجع كل المجتمعات خاصة الغربية ،والتي شهدت أغلب عواصمها  انفجارات لا حصر لها زرعت الفوبيا داخل هذه المجتمعات ، لتصبح الدول الاسلامية بما فيها المغاربية مشتلا لانتاج الارهابيين ،ومتهمة من قبل المجتمع الغربي بأن برامجها الدراسية هي السبب في اتشار الاسلاموفوبيا .

هذا الاتهام  جعل الحكومات تتوقف لتقييم الوضع ولتخلص إلى أن الترياق المناسب لظاهرة الارهاب ، هو العودة إلى تدريس الفلسفة ،وهكذا راحت توظف وتكون ألاف الأساتذة في هذه المادة ، ولم يعد تدريسها مقتصرا على السنوات النهائية في التعليمالثانوي فحسب بل امتد  إلى الجذوع المشتركة ،في محاولة تستهدف بث بدور العقلانية والتسامح في عقول النشئ.

حضر الفلسفة في بعض مؤسسات التكوين ، أو افراغها من روحها في المؤسسات التابعة لوزارة التعليم والتكوين المهني ،لن يخدم الأجيال القادمة ولن يخدمة الوطن بصفة عامة ، والمجتمع باعتباره مجتمعا إسلاميا في حاجة إلى ترسيخ دينه وفق روح هذا الدين السمحة الذي جاء رحمة ليس للعرب وحدهم بل للناس أجمعين.مقاربةالاصلاح يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حاجة المواطن للتدين ،وحاجة المجتمع لجعل العقل في خدم الشريعة والعكس صحيح ،لأنهما معا وعلى حد قول ابن رشد لهما نفس الهدف وهو التشبث بالحق ، والشريعة أخت الحكمة ولهما هدف واحد معرفة الحق .وعليه فإن تساكن الدين والفلسفة في البرامج الدراسية ممكن إذاكان رجل الدين عاقلا والفيلسوف على بصيرة


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات