ملاحظات حول هجمات برشلونة الإرهابية


 بقلم..عزيز أمعي –كاتب وروائي
 
 بعيون دامعة وأفئدة حزينة ،وبأدمغة مندهشة حائرة ودع الاسبان وكل الجاليات من مختلف أقطار العالم بمن فيهم المغاربة ضحايا العمل الإرهابي الذي وقع يوم الخميس المنصرم .في لحظة جنونية أقدم قاصر لم يبلغ مبلغ الرجال بعد ،يدعى موسى أوكبير-17سنة –من دهس أناس أبرياء خرجوا إلى شوارع منطقة "لارمبلا" للتنزه  والاستمتاع بعطلتهم الصيفية في منطقة تعتبر قلب برشلونة السياحي .الشاب الذي لاشك  أن أحد أمراء  الظلام  قد ملأ دماغه ،هو وكل من انضم إليه في التخطيط والتنفيذ للهجوم البشع ،بتهم مغرضة تجاه ما يعتبره خفافيش الظلام الغرب الكافر ،جعل كل هؤلاء المتعصبين  يقتنعون بأن التهم ثابتة والجرم مشهود ،والحكم صدر وما يحتاج إلا إلى مجاهدين باعوا أنفسهم وهذه الدنيا الفانية  من أجل نيل الشهادة التي جزاؤها  طبعا الجنة وكل ما تزخر به من حور عين  متع أخرى لا عين رأت ولا اذن سمعت بمثلها  .
المصيبة هو أن الهجوم الذي شهدته برشلونة كان كل أبطاله تقريبا مغاربة .فبدءا بالمنفذ الرئيس  موسى أوكبير، والذي تمكن من الإفلات بجرمه حتى كتابة هذه السطور ، إلى أفراد الخلية الجهادية التي تتكون من 12جهاديا، خمسة منهم قتلوا بينما تم القبض على  ثلاثة ، كل هؤلاء  ينحدرون من مدن مغربية  .
الفجيعة التي ذهب ضحيتها 13شخصا من بينهم خمسة أطفال إضافة إلى 86 شخصا من جنسيات مختلفة ،والتي كانت من تدبير وتنفيذ جهادين مغاربة ،كان له الأثر السلبي على الرأي العام الاسباني والكتالوني على الخصوص .إذ ما أن علم أهل الضحايا وباقي السكان بهوية المعتدين حتى اتجهوا  في سورة غضب عمياء نحو القنصلية المغربية وأحد المساجد مهددين المغاربة بالموت جميعا جراء ما اجترحه بعض الظلاميين من بني جلدتهم .
هذا الهجوم الخطير والذي ينضاف إلى هجمات عدة شهدتها العديد من عواصم الدول الأوربية ،والتي كان وراءها أشخاص دمويين  يحسبون نفسهم على الدين الإسلامي ويقينا أن هذا الدين منهم براء ،يجعلنا نسجل الملاحظات التالية  :
1 –بغض النظر عن هوية منفذي هذه هجمات ، سواء كانوا مغاربة كما هو مؤكد حتى الآن، أو كانوا من دول إسلامية أخرى ، فالأكيد هو أن الجالية العربية والمسلمة عموما ، توجد في قفص الاتهام ، بل ومهددة بالتعرض إلى ردة فعل عنصرية لا أحد يعرف نوعها ولا أسلوبها ،كما أن نظرة  الغرب لنا أمة الاسلام ستظل نظرة سلبية سيترتب عنها توسيع الهوة بيننا وبينهم أكثر مما هي حتى الآن .
2-إن نجاح المغرب إلى حد كبير في الحيلولة دون وقوع هجمات إرهابية على أرضه ، لا يعني أنه نجح في منع الارهابين المغاربة من الانسلال إلى أوربا لتنفيذ هجمات دموية بشعة ذهبت بأرواح العشرات من الأبرياء .
3-إن تنسيق المغرب مع الأجهزة الأمنية في أوربا ، واعتراف الدول الأوربية بنجاعة المغرب وقدرته التنبئية في احباط العديد من المحاولات الإرهابية لم تؤت أكلها بشكل جيد ، مما يطرح السؤال حول المقاربة الأمنية التي تعتمدها هذه الدول في حماية مواطنيها ومنشآتها ضد هجمات الإرهابيين الذين يتبنون الفكر الداعشيوالتكفيري عموما .
4-على الرغم من بعد المغرب عن منبع الفكر التكفيري  ، والذي  يعتبر الشرق العربي التربة الخصبة له بسبب الحروب المندلعة هناك ، غداة هبوب رياح الربيع العربي على  أغلب الدول العربية .فإن هذا الفكر تمكن من تسجيل حضور قوي في بلادنا وتبناه بعض أئمة الظلام ، وتمكنوا من زرعه في عقول فتيان أغلبهم لم يبلغ مبلغ الرجال بعد ،ليبعثوا بهم إلى بلدان تنعم بالديمقراطية والرخاء الاقتصادي ،بل تحتضن هؤلاء المهاجرين  الذين جاؤوا إلى بلادها بحثا عن العمل وعن غد أفضل ، أو فارين من أنظمة مستبدة وحروب وويلات لا حصر لها . وبدل أن يعترفوا  بالجميل لهذه الدول التي ,تهم من جوع وآمنتهم من خوف ،يقومون بدهس الأبرياء أو تفجير أنفسهم  في الأماكن العمومية دون وجه حق .
5-عجز العديد من الشعوب الإسلامية على القبول بالاختلاف ، وحق الآخر في ممارسة حريته مادامت لا تضر بحريته. هذا الأمر جعلنا نعتقد عن جهل وبسبب أحكام مسبقة أننا على صواب مطلق والآخر على خطأ ، والدليل على ما أقول ،أننا في المغرب بدأنا نرى ونسمع عن قضاة الشارع ، الذي تجاوزا قضاة وزارة العدل وراحوا يطبقون قانونهم وفق أمزجتهم التي تعشش فيها عناكب الجهل والحقد .
6-لا ينمو الفكر المتطرف إلا في بيئة توفر له شروط النمو ، ومن بين العوامل التي تسهل انتشار هكذا فكر ،ضعف المنظومة التعليمية ،وارتفاع نسبة الهدر المدرسي الذي يجعل هذه الفئة المتسربة سهلة التأطير جهاديا ، كما أن المنظومة التعليمية في بلادنا لا زالت تلقن ولا تعقلن .تبذر بذور المعرفة الجاهزة ولا تؤسس لأساليب وسبل بناء فكر عقلاني نقدي لا يستسلم بيسر وسهولة لأمراء الدم .
7-عجز العديد من الحكومات العربية عن بناء  اقتصاد قوي بإمكانه أن يستوعب كل هؤلاء الذين يحلمون بالعمل في أوربا ،وحين يتمكنون من الوصل إليها ولو على ظهر قوارب الموت ،  يصدمون بالواقع الأوربي ومنظومته القيمية المختلفة بشكل كبير عما  تلقوه واكتسبوه من قيم في بلادهم. يشعر أغلبهم بالاغتراب ويصدمهم  تفوق الآخر بحضارته وتبنيه لقيم تهز كيان المهاجر القادم من دياجير الاستبداد والفهم الخاطئ للدين .تتشكل لديه نظرة سلبية للآخر الذي يختلف عنه فيكل شيء ،فيصبح لقمة سائغة في يد أمراء الظلام الذين يأمرونه بالقتل فيقتل   .
هذا غيض من فيض لكل ما يجعل مشاهد الدماء الناجمة عن هجمات إرهابية تكاد تكون متكررة ودائمة في أوربا ، وهناك طبعا أسباب أخرى تحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص من ذوي الاختصاص في علم الاجرام ، لكن الأكيد أن العالم العربي والإسلامي كما الغرب مطالب وأكثر من أي وقت مضى من وضع اليد في اليد  من أجل معالجة كل الأسباب الدينية والاقتصادية السياسية والاجتماعية التي تجعل بسطاء العقول يحلمون بكل ما يقدمه لهم الغرب من ظروف العيش الكريم ،وحين يتحقق حلهم ويصلون إلى هدفهم ،بذل أن يعترفوا بالجميل  ويحمدوا لهذه الدول حسن ضيافتها وكرمها ،يأكلون الغلة ويسبون الملة ، فيعيثون في أرض المضيفة فسادا ودمارا  . 
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات