الحسيمة وعيدها الإستثنائي

 عزيز أمعي _كاتب وروائي



سيظل يوم عيد الفطر الأخير عالقا بذاكرة أهل الحسيمة وكل من تابع الأحداث العنيفة والدامية التي شهدتها المدينة حتى وقت طويل .الاحتجاجات التي انصرم من عمرها حتى الآن ثمانية أشهر والتي كانت سلمية ولا تزال، رفع خلالها المتظاهرون شعار "احتجاجات سلمية لا حجرة لا جنوية " وهي رسالة بالغة الدلالة على أن ساكنة مدينة الحسيمة وضواحيها، ليست لديهم أي أهداف ومطالب غير وطنية باستثناء تحقيق التنمية لمنطقتهم والعيش الكريم للساكنة 
لكن يبدو أن الرسالة لم تصل إلى من يهمهم الأمر، أو ربما وصلت إلى عقليات لا تزال تعتبر أن العنف هو السبيل الأنجع لإخماد الاحتجاجات وجعل السكان يبتلعون ألسنتهم، ولا يطالبون بحقوقهم وبالتالي يعودون إلى النوم لأنه ما فاز إلا النوم على حد تعبير الشاعر معروف الرصافي .
أعطت الحكومة وبالضبط من يقوم على رأس الأجهزة الأمنية ، الأمر بأن يؤدب المحتجون لتنطلق آلة العنف و تجعل من ليلة العيد كرنفالا لصبغ الرؤوس والوجوه بلون الدماء، وبث الرعب بين الأهالي مما جعل الفرحة تختنق في نفوس المتظاهرين بهذه المناسبة الدينية الكريمة ،وينتشر وشاح الحزن والخوف مخيما على سماء المدينة الساحلية ،وبدل أن تكون ليلة العيد ليلة الضياء المتلاحم ما بين السماء والأرض، تحولت إلى ليلة سوداء حزينة مؤلمة للجميع .

لا شك أن السيد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني ، وهو رجل طب ، ومن المفارقات العجيبة أنه مختص في الطب النفسي، له المام أكثر من أي وزير في حكومته ،بالأثر السلبي الذي يخلفه القمع وممارسة العنف على الافراد والجماعات ، وهو يعلم علم اليقين أن اطلاق آلة القمع قد تسكت الأصوات المطالبة بالحقوق لفترة وجيزة  ولكن البركان يظل قابلا للانفجار في أي لحظة .

السيد العثماني، وهو يرى البث المباشر للوحات العنف عبر التطبيقات المتعددة للشبكة العنكبوتية، مما جعل العالم بأسره يتابع أطوار الأحداث المؤلمة التي شهدتها الحسيمة ليلة الاثنين، أي ليلة العيد .خرج عن صمته وقدم اعتذارا للمواطنين عبر وسائل الاعلام عما جرى من ضرب ورفس وغيرها من تقنيات القمع، داعيا إلى ضرورة التحلي بالحكمة وحل المشاكل بالتروي حتى نمكن من تحقيق تسوية شاملة أو شبه شاملة لأهم ما يطالب به سكان المنطقة.

السيد العثماني لا ينتظر منه المغاربة الاعتذار فحسب ، بل هم ينتظرون منه أيضا أن تكون له بعض الجرأة، على الأقل كسلفه، ليقول للمغاربة هل يملك تصورا وخطة طريق إجرائية لمعالجة دواعي خروج السكان للتظاه، أم لا.
لقد تعاملت الحكومة مع الاحتجاجات من منطلق التريث حتى يفرغ السكان ما في صدورهم ، في جلسة نفسية جماعية، ثم يعودون إلى بيتهم، بعد أن يتسرب الملل إلى عزيمته ويخمد وهج حماسهم .لكن السكان استمروا في احتجاجاتهم وأثبتوا أنهم مصرون على تلبية مطالبهم مهما تطلب منهم ذلك من جهد ووقت، بل طوروا تقنيات الاحتجاج مستعملين الأدوات المنزلية، وراحوا يقرعونها لينداح صوت "الطنطنة "في كل أرجاء المدينة المحتجة .

المحتجون وكما جاء في العديد من المنابر الإعلامية أبانوا عن سلوك حضاري متميز، حين لجأوا إلى حماية بعض عناصر الأمن الذين وجدوا أنفسهم محاصرين قرب اعدادية عمر بن الخطاب. مثل هذا السلوك يؤكد أن المواطنين يتحلون بروح المسؤولية، بل ولديهم تقدير خاص لأجهزة الأمن التي من الواجب أن تكون في خدمة الشعب، لا وسيلة تلجأ إليها الحكومة من أجل قمع المواطنين ومنعهم من التعبير عن سخطهم من السياسات التي بقيت مواسمها عجافا لعقود وحقب طويلة .

المغرب أصبح في حاجة ماسة اليوم إلى أن تتخلى وزارة الداخلية عن حشر نفسها في انتخاباته البرلمانية سواء من خلال التدخل المباشر لجعل كفة شخص تميل لما تهوى وتود الوزارة العتيدة، أو من خلال الحياد السلبي الذي يسمح للمال بأن يشتري الدمم. كل هذا يؤثر على خريطة الانتخابات التي تفرز نتائجا غالبا ما تحدد ملمح الحكومة .نحن في حاجة إلى حكومة تنبثق من انتخابات نزيهة تكون مسؤولة أمام الشعب، يحاسبها على برامجها. فإما أن يجدد فيها الثقة إذا كانت أهلا لذلك، وإما أن يسحبها منها لينتخب من يراه قادرا على تنمية البلاد وتحقيق الرفاه والعيش الكريم للمواطنين.
 وبالعودة إلى ما نحن بصدد الحديث عنه، أي أزمة الحسيمة، لا بد بل على الحكومة أن تتخلى عن العناد وتستجيب لمنطق العقل. عليها أن تفرج فورا عن المعتقلين، وأن تشكل هيئة من حكماء هذا البلد من أجل الجلوس على طاولة الحوار مع السكان ومقاربة مشاكلهم بل ومشاكل المغاربة جميعا برصانة وموضوعية حتى تتحقق المصالحة الجدية بين المحتجين والحكومة. 
 الزمن نهر مسترسل الجريان، ومقاربة الزمن الاجتماعي الذي لا تتوقف مشاكله مقاربة بائدة تقوم على أساس العنف و القمع، لن تؤتي أكلها في زمن العولمة الذي لا يرحم. المغرب بإمكانه أن يحقق ربيعه العاقل من خلال لغة الحوار، وبذلك يحافظ على مؤسساته، ويجعلها قوية ويظل ينعم بنعمة الأمن والأمان التي لا أظن أن أي مغربي مستعد ليفرط فيها .
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات