أزمة القدس في ظل التشردم العربي


                       أزمة القدس في ظل التشردم العربي
عزيز أمعي –كاتب وروائي
في الوقت الذي يتعرض فيه القدس الشريف لهجمة شرسة لم يسبق لها مثيل  من قبل الكيان الصهيوني ،حيث أقدمت الحكومة الإسرائيلية على إعطاء الأوامر بمنع الآذان ، وفرضت حصارا محكما على المسجد وأغلقت كافة الأبواب المؤدية إلى باحة المسجد الأقصى ومنعت لأداء صلاة الجمعة إلى الحرم الشريف  بحجة وجود إرهابيين يشكلون خطرا على المواطنين  الإسرائيليين .في ظل كل هذا القمع  نجد أن العالم الإسلامي والعربي لا يحرك ساكنا كأنه غير مهتم ولا مقدر للخطورة التي يتعرض لها أولى القبلتين ومسرى الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (ص).
ما الذي يشغل حكام العرب والمسلمين قاطبة ويشغلهم عن أزمة القدس ومحنته ،ويجعلهم غير قادرين على الوقوف وقفة رجل واحد في وجه المشروع الصهيوني لتهويد القدس ونهب ما فيه من كنوز وأثار .الاجابة على هكذا سؤال سهلة ومعروفة، وهي أن العرب مشغلون بالتطاحن فيما بينهم ، وصدق من قال أن العرب سلو سيوفهم ،وشحذوا سكاكينهم ليقطعوا أعناق بعضهم البعض .يتهاونون أمام إسرائيل والغرب عموما ، ثم يأمرون أئمة مساجدهم ليصعدوا على المنابر ويطلبوا منهم أن يرفعوا أكفهم رفقة من حضر من المصلين ،وهم  يطلبون من الله أن ينوب عنهم في تدمير إسرائيل وجعل كيدها في نحرها ، ثم ينفض الجمع ويبقى الحال على ما هو عليه .
الاجتهاد الذي اجتهدته الدول الأربع :السعودية ، الامارات العربية ، والبحرين ومصر في تضييق الخناق على دولة قطر بشكل لم يشهد له العالم العربي مثيل ، يؤكد بأن بعض العرب إذا تمكنوا نكلوا ، وإذا غلبوا ذلوا بعضهم البعض .فهم يستأسدون على بني جلدتهم وعقيدتهم ، لكنهم أمام ماما أمريكا مجرد سرب من الحمام .
هذا الصراع العربي العربي جاء لينضم إلى المشهد السريالي العام الذي يشهده الوطن العربي عامة ، فمن من الأزمة العراقية التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية سببا فيها ، حين اتهمت صدام بامتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل ،وجمعت كل دول العالم للإطاحة به  ، لتتصبح العراق الدولة العربية العريقة بحضارتها وأمجادها خرابا ،وأهلها فزعون يتحسرون على أيام صدام الذي كان على الرغم من قبضته الحديدة يوفر لهم لقمة العيش والأمن الذي أصبح اليوم حلما عزيز المنال  .الدولة الثانية وهي جارتها سورية التي هجر شعبها ،ودمرت أغلب مدنها ، لتصبح بلاد الشام مسرحا للتدخلات الأجنبية تتطاحن على أرضها الدول القوية من أجل الحفاظ على مصالحا وفي سبيل ذلك قتل ألاف السوريين ، ومن نجا منهم  من الموت رحل بعيدا بنفسه وأهله إلى أقصى بقع الأرض عسى أن يجد أرضا تقله وسماء آمنة لا تمطر براميل من البارود  .
اللوحة السريالية لا تنتهي بما ذكرناه من صراعات يندى لها الجبين  بل لنا في ما يقع في اليمن من تدمير وفناء لشعب بأكمله ، من قبل دول عربية  واسلامية دليلا على أننا نحمد الله أن هؤلاء المتنطعين من العرب والمسلمين لا يملكون سلاح الدمار الشامل وإلا كانوا استعملوه ضد أنفسهم حتى ولو كان في ذلك هلاك النوع البشري  .
العالم العربي يمر اليوم بمرحلة حالكة  في تاريخه ، مرحلة موسومة بالتشردم والتشتت مخيف ومحبط ،هذه الفرقة لا يعلم أحد متى  ستنقشع غيومها الملبدة  . قد يقول قائل بأن الغرب عموما وإسرائيل خصوصا هي من تؤجج هذا الصراع لأن لديها مصلحة في ذلك ، لكن أي بذور لا تنبت وتعطي ثمارها بسخاء إذا لم تجد التربة المواتية ، العرب ومنذ موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانتهاء الخلافة الراشدة وهم يتقاتلون ويتطاحنون إلى يومنا هذا كأنهم يجدون متعة سادية في تدمير بعضهم البعض .
الصراع من أجل الوصول إلى  السلطة كان هدفهم ، وحين كانوا يصلون إليها على جثث الملايين من الضحايا ، كانوا يعضون على الكرسي بالنواجد وكل الأسنان كي يكونوا حكاما مستبدين ،يأمرون وينهون كما يحلوا لهم .التطور الذي عرفته الإنسانية في مختلف المجالات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية ،جعلت الانسان يتحرر من نير الاستبداد ويؤمن بأن السلطة لا بد أن تقوم على مبدأ التداول ، لأن في تداولها غنى وقوة للشعوب ، هذه القناعة جعلت الشعوب الأكثر ديمقراطية هي الشعوب الأكثر قوة وازدهارا بل وعقلانية .
كانت أوربا ولعقود في القرون القليلة الماضية تتطاحن فيما بينها كما هو شأن العرب اليوم ،ولم ينه خلافاتها سوى ايمانها بالقيم الاجتماعية التي تقوم على مبدأ المساواة والديمقراطية  ، فحققت انعتاقها من حقدها وغلها على بعضها البعض وأصبحت أمما موحدة متصافية .
هل سيأتي على العرب والمسلمين  حين من الدهر ، يؤمنون فيه بأن قوتهم تكمن في تجاوز خلافاتهم ، والكف عن نهب السلطة بواسطة العسكر والانتخابات المزورة ، وبذلك يصبحون أمة قوية يحسب لها ألف حساب ولا يتجرأ أي كان على النيل من مقدساتها. قد يحدث هذا يوما ما ،لكن الأكيد أن لن يتم في وقت قريب .


.  
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات