سـيلـيا.. ودمقرطة العنف

 بقلم الكاتب و الرزائي عزيز أمعي 
اسمها سليمة الزياني ،وأصبحت في خضم حراك الريف الذي برزت فيه كقيادية شرسة  تعرف باسم سيليا .هذه الفتاة التي لم تتجاوز عقدها الثاني إلا بسنتين ، أصبحت أشهر أنثى في مدينة الحسيمة وما جاورها ، وبعد اعتقالها داع صيتها  ليحقق لقبها شهرة استثنائية في ربوع المملكة وخارجها  ،هذه الشهرة لم ينازعها فيها  سوى زميلها في النضال القيادي  ناصر الفيزازي .
النضال بصيغة الأنثى ليس جديدا على المرأة المغربية ، فقد عرف تاريخ المغرب نساء عديدات قاومن ضد المحتل ، وأبدين شجاعة استثنائية في مقاومة الاستعمار الفرنسي والاسباني .ومن بين هؤلاء النسوة نذكر على سبيل المثال لا الحصر ، فايدة الحسن التي برزت في مجال التجسس ضد الاسبان ، والحاجة فاطنة المالقية رئيسة شبكة المقاومة في سلا وتطوان ، والشهيدة فاطنة بنت علال أول شهيدة سقطت في معركة واد زم في 50غشت 1955  والسيدة مليكة الفاسي التي مثلت المرأة المغربية في توقيع وثيقة الاستقلال .
نضال المرأة المغربية ، وجسارتها جعل أحد الصحافيين الاسبان يقول بالحرف "اليوم رأيت شيئا جعلني أغير رأيي في المرأة المغربية ،وذلك على إثر ما رأيناه نحن الصحفيين جميعا من أعلى الهضبة التي كنا منها نراقب العمليات العسكرية  التي جرت هذا اليوم سيدي أحمد الحاج حيث كانت النساء المغربيات هن اللائي يقمن بجميع الخدمات في مؤخرة المجاهدين ،تساعد الجرحى وتقوم بنقلهم بعيدا عن أرض المعركة وتزود المقاتلين بالماء إلى غير ذلك .."(عن علال الفاسي –عيون المقالات ).
وفي عهد الاستقلال ظهرت مناضلات أخريات ، سقطن شهيدات دفاعا عن الكرامة والحرية ، أشهر هؤلاء سعيدة المنبهي .هذه الأمثلة تؤكد أن سيليا أنما هي حفيدة كل النساء اللواتي قدمن أرواحهن وهو أغلى ما يملكن في سبيل أن يبقى هذا الوطن عزيزا كريما ينعم بالحرية ويتبوأ مكانة مرموقة بين الدول التي سارت أشواطا بعيدة  على درب الديمقراطية.
اعتقال سليمة الزياني ، فرض على النساء قبل الرجال ضرورة التضامن معها وتنظيمات وقفات احتجاجية للمطالبة بإطلاق وسراحها وسراح كل المعتقلين الذين تم الزج بهم في غياهب  السجون إثر الاحتجاجات السلمية التي شهدتها الحسيمة منذ أزيد من ثمانية أشهر .يوم السبت الماضي نظمت وقفة تضامن مع المعتقلة الشهيرة ، عرفت حضورا أنثويا مهما ،أضافة إلى  فعاليات حقوقية متعددة و كل المواطنين والمواطنات المتعاطفين مع حراك الريف .هذه الوقفة  كان من المفروض أن تتم في أجواء سلمية ، وأن لا يتدخل الأمن  بعنف مبالغ فيه ،م أجل  تفريق الجموع على اعتبار أن اللعبة الديمقراطية  تسمح للمواطنين بأن ينظموا احتجاجات سلمية للتنبيه او التنديد والمطالبة بحقوقهم .لكن يبدو أن المسؤولين الأمنيين فقدوا أعصابهم وأعطوا الأمر لرجالهم بالتدخل لتفريق الجموع بالقوة.




تدخل قوات الأمن طبعا كان عنيفا  ، ولم تستثن الهراوات  لا النساء ولا الرجال . عديدات هن الحقوقيات اللائي انهالت  عليهن عصي المطاط الصلب ، فشجت رؤوسهن وأدمت أيديهن لتسجل  في صفوفهن إصابات بليغة ، أما الرجال فقد نالوا بدورهن من الضرب ما سيجعلهن يتذكرون هذه الوقفة حتى أمد  بعيد .
هذا الأسلوب في التعامل مع الاحتجاجات السلمية في بلادنا ، تجعلنا نتساءل هل فعلا حققنا الاستثناء العربي  بعد صدور  دستور2011، هذا الدستور الذي  كان من المفروض أن يكون قفزة نوعية في مسار حماية و ترسيخ دولة الحق القانون .هل حقا كانت لدينا النية في أن نركب وبشكل لا رجعة فيه  قطار الديمقراطية لنلحق بركب من سبقونا في هذا المجال .يبدو أن الجواب مع كامل الأسف هو الديمقراطية بالمعنى المتعارف عليه في العالم ، لم تحقق الانطلاقة المنشودة في بلادنا ، وأن كل ما تم تحقيقه في مجال الديمقراطية ، هو دمقرطة العنف فحسب .أما فلسفة هذه لدمقرطة فإنها  تقوم على أساس أن الديمقراطية في بلادنا كالعملة لها وجهان ، دمقراطية الواجهة التي تستهدف اقناع الغرب بأن الديمقراطية في البلاد لا خوف عليها ولا هم يحزنون . والوجه الآخر هو دمقرطة القمع الموجه للداخل، وهي ديمقراطية تحاول أن تبدو ناعمة ولطيفة لكنها أمام أي مطالب اجتماعية مشروعة سرعان ما تكشر عن  أنيابها ، وتنسى رصانتها لتنطلق في سورة غضب هستيري لتمارس العنف على المحتجين فتجرح وتدمي  وقد تكسر عظام كل من سولت له نفسه أن يحتج على منكر .
جهاز الأمن الذي يرأسه مسؤول من المفروض أنه يخضع لسلطة الحكومة ، يتصرف كأن لا سلطة لرئيس الحكومة عليه ، وإلا كيف نفهم أن يستقبل مصطفى الرميد وزير الدولة في حقوق  الانسان رجلا مثل عبد العزيز النويضي المحامي والحقوقي من أجل إيجاد مخرج سياسي لازمة حراك الريف ،وفي نهاية الأسبوع  يكون هذا الشخص بالضبط عرضة لعنف رجال الأمن دون مراعاة لحرمته ولا لحرمة  الرجال والنساء الحاضرين ،كأن ما تم الاتفاق عليه مع وزير الحقوق ما هو سوى "تقرقيب الناب" ليس إلا .وإذا لم يكن الأمر كذلك فإن هذا يعني أن السيد  مصطفى الرميد لا حول له ولا قوة في كل ما يجري وهذه مسألة أخرى خطيرة تعني أن الانسجام بين وزراء الحكومة ورؤساء الأمن مفقود مما يحط من مصداقية الحكومة  برمتها .

نختم هذه الورقة بالقول أن الحكومة مطالبة بالتدخل الفوري من أجل اطلاق سراح سيليا وكل المعتقلين المنسوبين على حراك الريف ، هذا مدخل أساس لأنهاء الأزمة ، بعد ذلك تقوم الحكومة بالاستجابة لمطالبة المحتجين وبذلك تنتهي هذه الأزمة التي لو كانت الحكومة متيقظة لما اندلعت أصلا .  




التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات