التوظيف بالتعاقد وجه آخر لأزمة التعليم بالمغرب.

التوظيف بالتعاقد وجه آخر لأزمة التعليم بالمغرب.
 بقلم ..عزيز أمعي _كاتب وروائي
عرفت المنظومة التربوية في بلادنا سواء نهاية القرن الماضي أو خلال العقود الحالية ، اللجوء إلى الاستعانة بأساتذة مياومين للسد الخصاص الذي تعرفه المؤسسات التعليمية  على طول البلاد وعرضها .الكل يتذكر ظاهرة "العرضيون "الذين كانوا يسدون الخصاص المهول الذي كانت لا وتزال تعاني منه وزارة الربية الوطنية  .كان هؤلاء الأساتذة الذين يعدون بالمئات إن لم نقل بالآلاف ، يتسلمون أقساما ليدرسوا أبناء المغاربة دون تكوين يؤهلهم لممارسة مهنة تبدو للكثير أنها يسيرة ، وأنها مهنة من لا مهنة له .هذا التقدير الخاطئ والحل الترقيعي الذي كانت تلجأ إليه الوزارة المعنية بالقطاع  كان من بين عوامل أخرى سببا في انحدار تعليمنا إلى الهاوية السحيقة التي لا يزال غير قادر على الخروج منها حتى اليوم .
الاستعانة بالعرضيين ، خلق أزمة حقيقية للوزارة وذلك حين خرج هؤلاء الأساتذة  إلى الشارع يتظاهرون من أجل اجبار الحكومة على توظيفهم بشكل رسمي في أسلاك وزارة التربية الوطنية ، وأمام الضغط الذي مارسه هؤلاء على السيد لحبيب المالكي وزير التربية الوطنية وقتئذ ،استجابت الحكومة لمطلب العرضيين ليوظف أغلبهم ويصبحوا أساتذة رسميين دون أن يخضعوا لأي تكوين ،وبذلك انتهي الأمر وطوي الملف .

خلال ترأس السيد عباس الفاسي للحكومة  أعطى  الضوء الأخضر للوزير المكلف بقطاع التعليم  بأن يسمح بالتوظيف المباشر للأساتذة في ما سمي بتوظيف 3غشت ، .هذا التوظيف طبعا كان نهائي وبشكل رسمي دون أن يقوم على مبدأ التكوين مقابل التوظيف ،مما أدى إلى  اغراق المنظومة التعليمية بجحفل من الأساتذة سيتعلمون مبادئ التدريس في أبناء المغرب كما يتعلم الحلاق الذي لا خبرة له "الحسانة في ريوس ليتامى".
حكومة الإسلاميين جاءتنا اليوم بحل  أخر من أجل سد الخصاص المهول الذي تعاني منه  المنظومة بخصوص مواردها البشرية ،وهو حلفي حقيقة   الأمر لا يختلف كثيرا  عن توظيف العرضيين إلا في الاسم،بينما يبقى المضمون هو نفسه  .إنه التوظيف بالتعاقد ، ما الذي يعنيه هذا التوظيف ؟يقصد به  باختصار شديد توظيف أساتذة من كلا الجنسين لمدة سنتين قابلة للتجديد مرة واحدة ،و سيتم ذلك من خلال مباراة تعلن عنها الوزارة يجتاز خلالها المترشحون امتحانات كتابية وشفهية ، ثم يذهب الناجحون إلى مقرات عملهم لممارسة مهامهم التربوية والتعليمية .
 لا أحد يجادل في كون هذه المقاربات التلفيقية التي تلجأ إليها الدولة ، مرتبطة بالعامل المادي المحض .فالحكومة أصبحت عاجزة عن خلق مناصب مالية تستوعب أبناء المغاربة في الوظيفة العمومية ،هؤلاء الأبناء الذين أصبحوا يحققون نتائج إيجابية في البكالوريا .هذه النتائج الطيبة لم تتحقق بفضل جودة التعليم ببلادنا، بل  بفضل المصاريف الإضافية التي يقتطعها الآباء والأمهات  من راتبهم ،ليصرفوها على أبنائهم في الساعات الإضافية التي أصبحت عبئا يثقل كاهل أباء وأولياء التلاميذ .
نحن أذن أمام احدى تجليات الأزمة الاقتصادية بالبلاد. إن ضعف نمو هذا الاقتصاد  يجعله غير قادر على خلق مناصب الشغل الكافية لخريجي  المؤسسات التعليمية .نحن أيضا أمام خطر مرعب يهدد المنظومة التربية والتعليمية  ،هذا الخطر يتجلى في ضعف تكوين الناجحين في مباريات التعاقد ، إذ كيف يعقل أن نوكل أبناء المغاربة إلى أساتذة جاؤوا مباشرة من كراسي الكليات ليشرفوا على تعليم فلذات أكبادنا  دون أن نمدهم بأدوات العمل والطرق البيداغوجية والديداكتيكية التي تجعلهم على بينة إلى حد ما مما يدرسون .إنه مسمار آخر وربما الأخير على حد تعبير أحدهم الذي يدق في نعش التعليم العمومي بالبلاد .
لقد كان أمام الوزارة الوصية على القطاع حلا مناسبا كان عليه أن تستغله  لولااكراهات قلة المناصب المالية ، هذا الحل الذي كان في متناول يديها هو ادماج 10000اطار والأساتذة الراسبين  في القطاع ، وبذلك تزود المنظومة بأساتذة مؤهلين مما سيحل أزمة هؤلاء ، وفي نفس الوقت تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المتعلم التي من المفروض أن تأتي فوق أي اعتبار .لكن الحكومة فضلت التملص من مسؤوليتها ، وأعرضت عن هذا الملف الشائك ، من خلال خلق مشكل آخر ستكون له نتائج وخيمة في المدى المتوسط والبعيد على مستقبل أبناء الشعب .
التوظيف بالتعاقد وإذا كان يطرح مشكل التكوين كما أسلفنا ، فإنه يطرح مشكلا آخر مرتبطا بالاستقرار النفسي والاجتماعي للمتعاقدين .هؤلاء الأساتذة سيشتغلون وهم يعانون من الخوف على مستقبلهم الذي يخيم عليه شبح عدم امكانية التعاقد معهم مرة أخرى .أغلب الذين يلجؤون إلى التعليم ينحدرون من أسر فقيرة أو  محدودة الدخل ، مما يجعل أي التزام اجتماعي كالزواج أو اقتصادي كالاعتماد على الديون من مؤسسات بنكية في مهب الريح .كل هذا سيؤثر على عطاء هؤلاء الأساتذة مما سيجعل تواجدهم في الأقسام أنما هو تواجد جسدي ليس إلا .

القطاع الوحيد الذي بإمكانه أن يستفيد من هذا الارتباك الذي يسم قرارات الوزارة بسبب  غياب رؤية واضحة لمستقبل التوظيف ومستقبل المنظومة التربوية برمتها  ، هو القطاع الخاص الذي لن يعدم الحصول على أستاذة جاؤوا من التعليم العمومي ولهم تجربة لا يستهان بها اكتسبوها إما في مؤسسات التكوين ، أو من خلال الممارسة الفعلية داخل الأقسام . لن يكون أصحاب الشكارة في التعليم الخاص ملزمين بتكوين الأطر التي ستعمل في مؤسساتهم مادام العرض يفوق الطلب .
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات