تأثير الرسوب في الترقية الداخلية على نفسية الأستاذ

عزيز أمعي _كاتب وروائي 
أثارني فيديو جد مؤثر منشور في موقع –أكتي بريس- لأستاذ يعتذر بمرارة تشع سوداويتها  من مقلتيه وترسم مسحة قاتمة على وجهه ،لكل التلاميذ الذين درسهم ، وكل المديرين الذين عمل معهم .  كما يقدم اعتذاره لكل المفتشين التربويين الذين زاروه ونوهوا بعمله وعطائه المتميز ، بدليل أنه كان يحصل دائما من قبل هؤلاء  على نقطة الامتياز .لم ينس الأستاذ الاعتذار أيضا للنواب الاقليمين الذين وقعوا على حد قوله هذه التقارير ليقروا بدورهم أنه أستاذ كفؤ ومخلص في عمله .هؤلاء جميعا اعتذر لهم بسخرية حتى يتمكن من افراغ حمولة الضغط النفسي والحزن الناجمين عن  فشله في الفوز بمنصب مالي يفوق رقمه الاستدلالي الرقم الذي يحدد أجرته الحالية .
لا شك أن كل من رأى الفيديو قد تأثر مثلي لحزن هذا الأستاذ الشاب ، الذي يتأسف لأن وزارة التربية الوطنية ووزارة المالية لم تكونا منصفتين معه ،وبذل أن تجازيه بما يستحق أو بما يعتبره حقا له ، ها هو قلمه ينكسر في موقعة الامتحان ، ليحرم من ترقية  لا شك أنه كغيره من رجال التعليم  في أمس الحاجة إليها .
صراحة أقول لهذا الأستاذ الذي دفعته خيبة الألم ليسجل بشجاعة هذا الاعتذار لكل مكونات لمنظومة التربوية ،أنا جد متأسف لأنك لم تنجح في امتحان الترقية ، ولا شك أن قراء جريدة أكتي بريس يتأسفون للإحباط الذي أصابك بسبب هذا الإخفاق ،والكل طبعا يتمنى لك  النجاح والتوفيق  في الجولة المقبلة انشاء الله.
سأدع مرارتك أستاذي العزيز ، لنخوض في ما هو أهم وأعمق .لا شك أن العديد من رجال ونساء التعليم يشاطروني الرأي بأن عملية تفييئ رجال التعليم ضمن درجات سلم الترقية ، قد أثر وبشكل سلبي إلى حد كبير على عطاء ومردودية رجال التعليم .وسأقول بصراح أتمنى أن تكون في مستوى شجاعة أستاذنا العزيز أن بعض رجال التعليم وأقول البعض ، قد جرفتهم درجات الترقية إلى نتيجة سلبية ، سواء من توفق في ترقيته إلى أن بلغ أعلى درجات سلم هذه الترقية ، أو الذين حاولوا أكثر من مرة لكن الحظ لم يكن حليفا لهم .
هؤلاء البعض الذي أتحدث عنه ، يقصر عن قصد في القيام بمهامه . الراسبون ومنهم من درس تلاميذ وأصبحوا أساتذة  زملاء له ،وحققوا في مجال الترقية ما لم يحققه أستاذهم ، بحيث أصبحوا  يرتبون في درجات أرقى من الدرجة التي يتواجد فيهه من درسهم.هؤلاء يتهاونون غضبا ويبررون هذا التقصير بالحيف الذي أصابهم من قبل وزارة لم تعترف بكل التضحية التي قدموها للمنظومة التربوية خلال عقود من العمل الدؤوب.الذين أفلحوا في الامتحان وحققوا  في وقت جد وجيز أعلى الدرجات ، يتهاونون بمبرر أنهم حققوا أقصى أمنياتهم ، وليذهب كل مراقب مهما كان إلى نار جهنم لأنه لن يطول منهم لا بلح السام ولا عنب اليمن والحمد لله كما قلت أن  عدد هؤلاء لا يكاد يذكر .
الوزارة حين قررت نهج هذا الأسلوب  في مجال الترقية ، لم تكن لديها مقاربة شاملة للموضوع ، والكل يعلم أن الترقية بهذه الطريقة ، جاءت في ظروف تاريخية معينة ، حيث إن وزارة التربية الوطنية بدأت العمل بها قبل العهد الحالي .كان من المفروض أن تقوم وزارة التربية الوطنية بوقفة تقويمية لهذه الخطة لمعرفة مدى تأثيرها على مردودية الأساتذة والمنظومة التربوية برمته التي أصبحت سمعتها لا تسر صديقا ولا عدوا ،لكنها لم تفعل والأمور تستمر على نفس النهج .
مشكل آخر جاء في كلمة الأستاذ ،وهو مطلب التكوين المستمر .هذاالمطلب جد مهم  طبعا ،لكن وزارة التربية وعلى الرغم من تغير الزمان والوزراء الذين يتعاقبون عليها ،أظن أنها لا تفكر حتى مجرد التفكير في الاهتمام به ،فبالأحرى  تنزيله اجرائيا .نعم منذ أن أنشأت وزارة التربية الوطنية ،وهي لا تهتم الا بالتكوين الأساس للأساتذة لتتركهم  بعد ذلك ولعقود يمارسون المهنة وهم يقتاتون على تكوين هزيل تلقوه بمراكز التكوين  .وبما أن الذي لا يتقدم يتأخر بالضرورة على حد قول المثل الفرنسي ، فإن الأستاذ بعد بضع سنين يتحول إلى مجرد تلميذ مجتهد في القسم ليس إلا. عدم حرص الوزارة على وضع خطط سنوية للتكوين المستر تؤثر حتما على مردودية الأساتذة لأن الزمن التعليمي يتجاوزهم مع تعاقب السنين وتطور المعارف.سيقول قائل هذا الأمر أوكلته الوزارة إلى المفتشين التربويين ، أجيب بالقول أن ما يسري على الأساتذة ينسحب على المفتشين أيضا .يقضي المفتش  ثلاث سنوات- سابقا سنتين حاليا-   في مركز تكوين المفتشين يزود ببعض المعلومات وآليات الاشتغال يروجها لبضع سنين لتصبح بدورها متجاوزة أيضا .المفتش الذي يعتبر المسؤول الأول على ضخ دماء تربوية جديدة في جسد المنظومة التربوية ، يقضي عقودا من الممارسة دون تكوين ، وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه فإن اللقاءات التربوية تتحول إلى ما يسميه المغاربة "الهيت" ولا شيء آخر ، وحتى لو اجتهد المفتش على حسابه الخاص فإنه قلما وجد  لما يقول تأثير في الممارسة ، لأن سحابة  الصيف اللقاءات التربوية قلما تمطر .ضعف التكوين يعاني منه  حتى المدراء الاقليمين والجهويين ،الذين يحطون في مديريات مشاكلها متشعبة وقدراتهم لحلها محدودة ،نفس القول يطال الوزراء الذين يكلفون   بتسيير هذا القطاع الشائك ،  كل هذا يؤثر سلبا على تطوير المنظومة التربوية .

هذا غيض من فيض مما تعانيه منظومتنا التربوية ، وهذه أحدى الأسباب التي تنشر اليأس والفشل بين المنتمين إليها .وحتى لا نكون متشائمين ننهي هذا الورقة بدعوة كل الأساتذة الذين رسبوا في امتحان الترقية التربوية إلى عدم اليأس والاعتماد على تكوينهم الذاتي من خلال المطالعة والاستفادة من كل المستجدات التروية وأن لا يحصروا عملهم في البعد المادي لأن رسالة الأستاذ أجل وأعظم من كل المحفزات المالية مهما كانت دسامتها .  


التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات