الأحزاب السياسية وحراك الريف


بقلم ..عزيز أمعي –كاتب وروائي
من بين الأسئلة الملحة التي طرحها حراك الحسيمة بقوة  منذ أن اندلعت الاحتجاجات حتى الآن ،هو دور الأحزاب السياسية في ما يجري بشمال المغرب .الذين يتابعون تطورات الأحداث ،والصراع الناشب ما بين سكان مدينة الحسيمة والمدن الصغيرة المتاخمة لها و الذين خرجوا  عن بكرة أبيهم في احتجاجات سلمية تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ،لا شك أنهم  سيلاحظون بأن الغائب الأكبر في خضم هذا الحراك هو الأحزاب السياسية. هذه الأخيرة كان من المفروض أن تكون حاضرة بقوة في خضم ما يقع ،بحكم أن من بين مهامها  هو  تأطير المجتمع المدني وتمثيل المنتمين إليه والدفاع عن مصالحهم ، ليس فقط من خلال طرح أسئلة لا معنى لها في الغالب الأعم داخل قبة البرلمان وقبة المستشارين ،بل من خلال التواجد الفعلي في هذه المدن التي يحتج أهلها   .
احتجاجا ت كثيرة عرفها المغرب في العديد من مدنه. من  بينها، بل أشهرها احتجاجات سكان طنجة ضد الشركة الفرنسية "أمانديس" المسؤولة عن توزيع الماء ، حين ألهبت جيوب المواطنين بفواتير غالية أثارت غضبهم وأخرجتهم إلى الشوارع للتنديد بجشع هذه الشركة .واحتجاجات ساكنة العيون بمخيم أكديمايزيك وما تلى تلك الاحتجاجات من اضطرابات عنيفة  .احتجاجات الأساتذة المتدربين بكل من الرباط والدار البيضاء ، وغيرها من الاحتجاجات التي لا يتسع المجال لذكرها جميعا في هذه الورقة  .
في كل مرة يخرج أهل مدينة أو فئة متضررة من حيف اجتماعي طالها ، يكون خروجها غير مؤطر لا نقابيا ولا حزبيا ، بل تندلع شرارة الاحتجاج بشكل تلقائي ليخرج ألاف السكان للتنديد بالهجوم على قدرتهم الشرائية أو  خوفا على  مستقبلهم ومستقبل  أبنائهم .تنطلق  بعد ذلك سلسلة من اللقاءات  والمفاوضات  ما بين رئيس الحكومة وبعض الجهات الأخرى من أجل تطويق التظاهرات والبحث عن حل يرضي كلا الطرفين :المتظاهرون والحكومة ،ثم يعود السكون في انتظار احتجاجا أخرى .
الأحزاب في المغرب يتجاوز عددها الأربعين حزبا ، ولو أن أحدا   طرح السؤال التالي على المغاربة :أذكر عدد الأحزاب في المغرب وأسماءها ؟لا شك أن السواد الأعظم لن يوفق في الإجابة على هكذا سؤال . ما الجدوى إذن من تفريخ كل هذه الأحزاب أذا كانت في الواقع لا تفيد ولا تساهم في تأطير المواطنين ورفع لواء مصالحهم وبالتالي مصالح الوطن الذي لا يريد  أي مغربي أن تشتعل فيه نار الفتنة لأن الفتنة وكما قيل أشد من القتل ولا مصلحة لأي كان في ايقاظها .على هذا الأساس تبقى أغلب هذه الأحزاب في النهاية مجرد كائنات انتخابية ، تنشط بشكل جيد بل وممتاز خلال موسم الانتخابات من أجل الحصول على أكبر خدد من المقاعد في المؤسستين التشريعيتين بالبلاد ، لا أقل ألا أكثر .هذا الحراك الحزبي  الذي ينحصر في  هذه اللحظة وحدها أي لحظة الانتخابات ،وما أن ترفع الانتخابات أوزارها حتى  ينصرف كل حزب إلى معركة أخرى والتي هي معركة الاستوزار،فتتشكل الحكومة وينال كل حزب ما استطاع من حقائب وزارية ،لتعود أغلب الأحزاب إلى سباتها العميق  في انتظار مرور سنوات معدودة  كي تحل معركة انتخابية أخرى  وهكذا دواليك .
نعم طار العديد من رؤساء الأحزاب إلى الحسيمة من أجل اصلاح ذات البين ما بين المحتجين وحكومة العثماني ، إلا أن هؤلاء الحزبيين ذهبوا في الغالب الأعم بصفتهم وزراء ،ويكفي أن نستحضر الجملة التي قالها أحد المواطنين البسطاء لزعيم حزب الحمامة وهو يحاوره "ماعنديبولوقت"، لنفهم مدى يأس المواطن من الوزراء والأحزاب .نعم رفض هذا الصياد البسط أن يتكلم مع السيد  أخنوش بحجة أنه مشغول وليس لديه وقت يخصصه لهذا الوزير الذي حطت به  الطائرة فجأة وجاء "حتى فات الفوت "كما تقول الأغنية ليسأله  "كيف بقيت " .الرسالة كانت واضحة، المواطن حتى البسيط لا يرى أي فائدة من عرض مطالبه على وزير لأنه يعرف مسبقا بأن لا فائدة ترجى من ذلك ، وهو لا ينتظر أي شيء من الوزير بل ومن الحكومة أيضا .

هذه الملاحظات السابقة تدفعنا إلى طرح السؤال حول الإصلاح السياسي في المغرب ، ما الذي يجعله يعاني من إعاقة مزمنة ليبقى مخنوقا داخل حقل المؤسسات ، وما الذي جعل الأحزاب المغربية مشلولة وغير قادرة على المبادرة إلى هذا الحد .طبعا هناك منظومة من الأسباب التي تحتاج إلى دوي الاختصاص للإجابة عليها ، كل ما نريد الإشارة إليه هو أن حالة السبات أو على الأقل استمرار هوة الاتساع ما بين المواطن والأحزاب لن تكون في خدمة البلاد .لدينا أكثر مما ينبغي من الأحزاب ولدينا ما يفوق عن  الحاجة من الوزراء في الحكومة ،لكن هؤلاء جميعا لا يملكون الثقة التي من المروض أن أساس وجود هم .الدولة مطالبة بالبحث عن قطار الإصلاح السياسي الذي يبدو أنه تاه في صحراء قاحلة ، لتعيده إلى السكة الصحيحة ، هذا هو السبيل الوحيد لتثبيت أسس الدمقراطية في البلاد ، والتي تكون الضامن الوحيد لاستيعاب كل مشاكل المجتمع .



التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات