الصراع القطري الخليجي إلى أين؟

بقلم.. عزيز أمعي- كاتب وروائي 
يبدو أن عقلية حرب داحس والغبراء الشهيرتين ستظل مهيمنة على عقلية الحكام  العرب في الشرق ما لم يخرجوا من دياجير الاستبداد  إلى نور الديمقراطية .هذه الديمقراطية التي يبدو أنها لن تزرع في البلدان العربية بالشكل الصحيح لا في المدى القريب ولا المتوسط .نعم منذ العصر الجاهلي ،وبعد الخلافة الراشدة، بل وفي ابانها اندلع التكفير والتقتيل بين العرب ،ولا زال ديدن القوم على ما جبلوا عليه حتى وقتنا الحاضر ، بحيث إنه ما أن ينتهي صراع سياسي ما بين دولتين عربتين ، حتى تهب دول عربية عربية ، أو عربية إسلامية أخرى للتطاحن فيما بينها لتفعل بعضها ببعض ما لا تقوى حتى  إسرائيل  على فعله بهم .
مناسبة هذا الكلام هو الخلاف الذي اندلع مؤخرا ما بين دولة قطر من جهة وأغلب  دول  مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى مصر من جهة أخرى .ما الذي حدث وكيف انفرط عقد هذا التحالف الخلجي الذي كان يبدو متينا حتى وقت قريب ، ليتم طرد قطر منه ولتتم محاصرته في سابقة لم يشهد لها التاريخ العربي مثيلا من قبل .فجأة وبتهم لم يتم التحقق منها بشكل نهائي وصريح ، تقاطع  دول الشرق الأوسط  دولة قطر التي يجمعها بالدول المقاطعة لها علاقة العروبة التاريخ والدين .كل هذه الثوابت ألقيت في عرض البحر ليفرض الحصار الجوي والبري بغية إعدام قطر على حد تعبير أردغان  الرئيس التركي ،كأن هذا البلد هو من دمر الكعبة أو أدخل الاستعمار الصهيوني إلى فلسطين .
الخليجيون غاضبون من ساسة دولة قطر بحجة أن هؤلاء مسؤولون عن ظاهرة الإرهاب في العديد من الدول ،فقطر حسب التهم الموجهة إليها تشجع على الإرهاب وتمول العديد من المنضمات الإرهابية  .نحن لا ندافع عن قطر بدافع المصلحة  ، لكن وللإنصاف لو تأملنا التهمة التي ارتكزت عليها الخصام وهي تهمة  تمويل وتشجيع الإرهاب ، سنجد أن هذه الجريرة حتى ولو كانت صحيحة ،تطال أغلب الدول وعلى رأسها الدول المتقدمة ،هذه الأخيرة   متهمة أيضا  بتمويل المنظمات الإرهابية بل وخلقها لتفتن وتروع الشعوب الآمنة . ولنوضح الفكرة أكثر ،نأخذ على سبيل المثال أقوى دولة في العالم التي هي طبعا دولة الولايات المتحدة ، أليست هي من أنتجت تنظيم القاعدة لتهزم به الاتحاد السوفياتي سابقا ، حين دخل الروس إلى أفغانستان ، وحين كانت الادارة الأمريكية ترى في المد الشيوعي الخطر الأول الذي يهدد أمن وسلامة أمريكا الامبريالية .وحين انقلب بن لادن عليها ودمر أبراجها العالية وبث الرعب في المجتمع الأمريكي ألم تتهم الولايات المتحدة السعودية بأنها مشتل لتفريخ الارهابين بسبب مذهبها الوهابي وتعليمها المتشدد .ألم تمارس أدارة بوش الإرهاب حين دمرت العراق ،وخلقت إدارة أوباما تنظيما إرهابيا آخر اسمه داعش على حد اعتراف وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون .
وحتى لا نقسو كثيرا على حكام بلاد العم سام ، ننتقل إلى روسيا بوتين . بالله عليكم ماذا تفعل هذه الدولة  في سوريا غير التقتيل وترويع الآمنين حتى يبقى بشار الأسد على العرش الذي أخذه عنوة من والده محولا سوريا من جمهورية إلى  ملكية .ثم ماذا تفعل ايران وحزب الله أيضا في الصراع السوري غير ممارسة الإرهاب بكل أشكاله وأنواعه .
ولننتقل الآن إلى دول الخليج من غير قطر لنرى هل سيسلمون من تهمة الإرهاب . هل حقا دخلت السعودية إلى اليمن من أجل سواد عيون اليمنيين ، أم من أجل خوض حرب غير معلنة مع ايران  والمد الشيعي الذي أصبح يتقوى مع ظهور ايران  كقوة  لها وزنها في المنطقة . لقد دمرت اليمن وشردت شعبها وانتشر فيهم وباء الكوليرا ليحصد كل يوم مئات الأبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في بلد كان يقوده رئيس أحمق اسمه علي صالح وبعد الإطاحة به تحالف مع  الحوثيين الذي يدينون  بالولاء لإيران من أجل استعادة كرسي الرئاسة ، والنتيجة هي دمار أمة بكاملها .
ومصر بلاد الكنانة ألا يمارس فيها العسكر الإرهاب اليومي منذ أن أطيح بالرئيس الشرعي إلى اليوم .هذه بعض الأمثلة التي تبين أن  الذين يتهمون قطر برعاية  الإرهاب يجب أن يعترفوا بأنهم في هم الإرهاب سواء .
الحقيقة أن الامر المسكوت عنه في هذا الصراع الذي أزم الوضع في الخليج هو:
-أولا أن السعودية والعديد من الدول العربية رفضت واستنكرت الانقلاب الناعم الذي قام به أميرها السابق حمد بن خليفة على والده سنة 1996،فقد تزعمت السعودية والامارات والبحرين تدخلا عسكريا في الدوحة للإطاحة بحكم أمريها العاق .هذا التدخل كما هو معروف لم يكتب له النجاح لتتوتر العلاقة بين السعودية والدوحة منذ ذلك الحين  على الرغم من محاولة الكل نسيان الحادث مع مرور السنين .
-ثانيا ، الاعلام القطري والذي تعتبر قنوات الجزيرة أهم ترسانة له ، حيث إن هذه الشبكة الإعلامية نهجت نهجا غير مسبوق في الاعلام العربي وأصبحت مؤثرة بشكل كبير  في الأحداث التي تقع في العديد من الدول ،إلى درجة أن الكثيرين  أصبحوا  يؤكدون أنه إذا كانت مصر هبة اليل فإن قطر هبة قناة الجزيرة  .
-ثالثا ، التقارب الحاصل بين الدوحة وطهران لا يحظى برضى السعودية وباقي دول مجلس التعاون ،حيث تتهم هذه الدول ايران بمحاولة بث الفتنة داخلها خاصة في البحرين التي هب فيها الشيعيون يطالبون بحقوقهم .
-رابعا ،الحملة المكثفة التي تشنها الجزيرة على مصر بخصوص سيطرة العسكر على سدة الحكم دون وجه حق .وبما أن السعودية لها مصلحة في بقاء العسكر بدل الاخوان المسلمين الذين تتهم قطر بدعمهم هم وحماس ،أضافة إلى مصالح أخرى على رأسها ضم جزريتي :تيران والصنافير،فإن السعودية تمنح دعمها للسيسي بسخاء حاتمي . 
-خامسا  ،الولاية المتحدة بصدد الاعداد لتحالف لن يكون لقطر والكويت وعمان دور فيه ، هذا التحالف يريده ترامب أن يكون بزعامة السعودية والامارات لتحقيق مصالح إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط .

هذه بعض الأسباب التي تحرك  الصراع القطري الخليجي، هذا الصراع الذي  لا يمكن فصله عن التحولات السياسية الدولية ، خاصة بعد وصول دونالد ترامب إلى إدارة البيت الأبيض .لا نتوقع أن يتطور النزاع إلى مواجهة عسكرية ، لكن يرجح وبقوة أن تنسلخ العديد من الدول من منظمة مجلس التعاون الخليجي لتنسف وحدة هذا المنظمة وهو الأمر طبعا الذي يخدم مصلحة إسرائيل وحاميتها أمريكا والغرب عموما .   
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات