حراك الريف:احتجاجات اجتماعية تحتاج إلى حلول منطقية .

بقلم :عزيز أمعي –كاتب وروائي
حين كنت تلميذا في السنة الختامية من الطور الاعدادي ،ولأنه لم يكن بيني وبين الرياضيات الا الخير والإحسان ،فغالبا ما كنت أستعين بصديق يكبرني سنا وحذق في هذه المادة التي تعتبر محك لعلمية العلوم الأخرى . في ذلك الوقت كان الأستاذ يكلفنا بإنجاز فروض فردية في البيت ويعتمد نقطتها في التقويم العام لكل دورة .وكالمعتاد استنجدت بكفاءة صديقي حين كلفنا الأستاذ بأحد هذه الفروض .أنجزنا التمارين ،وسلمت الورقة للأستاذ وأنا متأكد أنني سأحصل على أعلى نقطة بفضل آلة  دماغ صديقي التي خلقت لتتكلم لغة الرياضيات وتفك شيفراتها بيسر وسهولة .حين أعاد لي الأستاذ الورقة  بعد التصحيح ،لاحظت أن ثمة  تمرينا لم ينل النقطة كاملة على سلم  التنقيط الذي وضعه الأستاذ .استغربت للأمر ، لأني وكما أسلفت لم أعهد في صديقي التقصير أو العجز في انجاز أي تمرين مهما كان صعبا معقدا .
المهم أنني وجدتها فرصة سانحة  كي أشاكس صديقي وأعلن أمامه بملء فمي ،أنه أخيرا وقع في الخطأ وليس بأينشتاين حينا كما كنا نلقبه .لكنه ما أن راجع  الورقة وتأمل  التمرين الذي حصل على أقل نقطة ، حتى طفق يضحك كالمجنون ،في حين رحت أنا أنظر إليه دون أن أفهم ما الذي أصاب صاحبي .قدرت أنه اكتشف مكمن الخطأ الذي سها عنه ،وهو يضحك من نفسه لأنه لم يستسغ أن يقع في هكذا كبوة هو الطلب المشهود له ببراعته في مجال الرياضيات .وقبل أن أسأله عن سبب ضحكه ، قال :
-يا صديقي الاجابة صحيحة ،وأستاذ كم هو الذي وقع في الفخ .
سألته وأنا لا أتصور أن أستاذي يمكن أن يخطأ ،وهو أستاذ المادة والمتخصص فيها :
-ما ذا تقول ؟كيف يمكن للأستاذ أن يخطئ .أنت من أخطأ وما عليك سوى الاعتراف .
رد بعد أن عاوده الضحك :
-صدقني الأستاذ أغفل خاصية لو كان قد انتبه إليها لما اعتبر الإجابة خاطئة .
قلت:
-ما تقوله مستحيل .
بعد أن صمت هنيهةمفكرا رد قائلا:
-ما رأيك لو تخبر أستاذك بما قلت ،وأنا كفيل بإقناعه إذا أراد مقابلتي .
وافقت على اقتراحه ، أخبرت الأستاذ في آخر الحصة بموضوع التمرين ،ورغبة صديقي في لقائه من أجل مناقشة الإجابة .وافق الأستاذ واظن أنه من باب التحدي أراد أن يلتقي بصديقي  .جئنا في الموعد المحدد ،وجدنا الاستاذ يجلس رفقة أصدقاء له في المقهى .لم يجد حرجا في أن يتم النقاش بحضور الأصدقاء ،انطلق النقاش الرياضي في هدوء وقد ارتسمت على شفتي الاستاد ابتسامة ساخرة .وبين الفينة والأخرى كان ينظر إلى أصدقائه ،الذين  بدا أنهم كانوا على علم بالنازلة ،كأنه يقول لهم أنظروا كيف س"أبهدل "هذا الشاب المتطاول على أستاذ مثلي  أمامكم. لكن مع المرور الوقت واحتدام  النقاش  بين صديقي وأستاذي بدأ يتبين أن الأول كان على صواب وحجج الثاني كانت واهية ،وليغطي الأستاذ على هزيمته أمام  الملأ الحاضر ، لجأ إلى العنف وهم بأن يضرب رفيقي لولا تدخل أصدقاء الأستاذ وفضوا الاشتباك الذي كان سيؤول إلى ما لا تحمد عقباه .
هذه النازلة سرعان ما انتشر خبرها في المؤسسة بين التلاميذ والأساتذة ،كما تنتشر النار في الهشيم، لتصبح سمعة الأستاذ في مهب الريح . تأسفت لأستاذي ولم أتوقع أن يكون صديقي حقا على صواب ،وتمنيت لو أن الأستاذ تحلى بالروح الرياضية ولم يفقد أعصابه ويعترف بروح رياضية أنه أغفل ما انتبه له الصديق ، عندها ما كانت الأمور ستصل إلى ما وصلت إليه ،ولبقي الأستاذ معززا مكرما بين زملائه وتلامذته .
هذه الواقعة التي مر عليها الأن عقود ، ذكرتني بما يحدث من  مظاهرات احتجاجية في الريف .ما يقع حاليا في شمال المملكة يشبه كثيرا ما حدث لصديقي والأستاذ .المظاهرات السلمية التي نظمها أهالي مدينة الحسيمة والمناطق المجاورة ، ما هي إلا رسائل يخبر من خلالها المحتجون المسؤولين أن التمارين أو المشاكل الاجتماعية أصبحت تحل بطريقة خاطئة على الرغم من تعاقب العديد من الحكومات على تسيير الشأن العام الوطني .لقد حان الأوان كي تتحلى الحكومة بالتروي والتعقل ، لعلها تقتنع بأن هناك خلل اجتماعي ومشاكل بلغت عنان السماء ، وأن المنهجيات المعتمدة سابقا أصبحت غير صالحة لاستيعاب الاحتقان الاجتماعي ،وأن هناك بدائل أخرى ة يمكنها أن تساعد على إيجاد الحلول الناجعة للاحتقان الاجتماعي في بلادنا .
مند سنين والنقابات وكل الفعاليات الاجتماعية تدق ناقوس الخطر في ما يخص الوضع الاجتماعي المأزومبالبلاد.القدرة الاجتماعية للمواطنين تم الاجهاز عليها ، الحكومات  تضع رأسها في الرمل كالنعامة ولا تستمع سوى للصندوق النقد لدولي وما يمليه عليها من حلول لم ولن تفيد سوى في الحفاظ على مصالح هذه المؤسسات الدولية ،أما المواطن فما عليه سوى  المزيد من الصبر لكن إلى متى ؟
ما يقع في الحسيمة من حراك اجتماعي ،مع العلم أن المغرب ليس هو الحسيمة وحدها بل المغرب فيه العديد من المناطق التي  تعاني من التهميش والاقصاء ،مسألة صحية إذا ما حاولنا مقاربتها خارج منطق المقاربة الأمنية .لأن اللجوء إلى العصا وحدها لن يحل المشاكل وسيورط سمعة المغرب  في الاعلام والمحافل الدولية  .المواطنون يحتجون بطريقة سلمية وهذا أمر إيجابي ، والعهد الجديد صراحة كفل هذا الحق وهو أمر إيجابي أيضا .ما على المسؤولين سوى نسيان المقاربة الامنية ، أطلاق صراح المحتجزين .يدب على من يهمهم الأمر الاعتراف بأن الوضع الاجتماعي مأزوم ويحتاج إلى حلول فورية جدرية وليس مجرد وعود واهية .المغرب كان من الدول القليلة أو ربما النادرة التي فتحت بكل شجاعة مشروع المصالحة الوطنية من أجل طي صفحة سنوات الرصاص ، وبإمكاننا ايوم أيضا أن نفتح ورش المصالحة الاجتماعية بقلب مفتوح وبشجاعة نسد بها الأبواب على الحاسدين ، وكل من يتمنى  لهذا البلد الأمين الفتنة وبذلك نبتكر خطتنا التنموية الصلبة ليس فقط من أجل مدينة الحسيمة فحسب بل من أجل كل  مناطق المغرب من شماله حتى جنوبه ومن شرقه حتى غربه .

المغرب قادر على أن يحافظ على وحدة لحمته الاجتماعية ،ليصبح غده  أصلب من ماضيه .وليتحقق ذلك لا مناص من لغة الحوار الصادق البناء ،و إذا استحضر الذين يسهرون علىالشأن السياسي ببلادنا  الحكمة والشجاعة ،بدل  المقاربة الأمنية فحتما سنخرج من هذه التجربة بلدا تنمويا يكون نموذجا قد يقتدي الغير بطريقة ومنهجية حله لتمارينه ومشاكله الاجتماعية  .
التعليقات
0 التعليقات

ليست هناك تعليقات