تاهلة.. مدينة صغيرة برمزية كبيرة








عزيز أمعي/
المدن تسكن أبناءها، كما تسكن الروح الجسد وكما يساكن الجلد اللحم ويلفه. يولد المرء على أرضها، وتستنشق رئتاه أول النسائم من هوائها العليل .كتب العديد من فرسان الادب وفحول الرواية عن مدنهم  لأنهم كانوا مسكونين حد الهوس بها.أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر شارل ديكنز في رائعته قصة مدينتين، ونجيب محفوظ الذي كانت حواري القاهرة وأحيائها منبعا لأهم ابداعاته.


هذه المدينة التي أكتب عنها اليوم، هي مدينة صغيرة في حجمها ، كبيرة في رمزيتها .لأنها تعتبر حاضرة قبائل بني وراين، التي تمتد على مساحات شاسعة في شمال وسط المغرب. من الناحية الجغرافية تقع مدينة تاهلة شرق مدينة فاس على مسافة تتجاوز الستين كليمترا. وغرب مدينة تازة على مسافة أقل من تلك التي تبعدها عن العاصمة العلمية . وهي تنتمي إلى اقليم تازة حسب التقسيم الاداري للأقاليم .مدينة تاهلة تعتبر عاصمة قبائل بني وراين التي تمتد على مساحة جد شاسعة، تنطلق غربا من الاراضي التي تتواجد عليها قبائل بني سدن شرق فاس إلى حدود واد ملوية مرورا بجبل بويبلان العتيد وكل المناطق المحيطة به.

شكلت المدينة على الدوام ملاذ الدولة لتشكيل جيشها العتيد ، حيث إن نسبة كبيرة من عناصر الجيش المغربي ، من أعلى رتبة حتى أبسط جندي كلها تنحدر من أصول وراينية.هذا الحضور المكثف للعنصر البشري الورايني في صفوف الجيش المغربي ، له عدة أسباب منها :أن جحافل كبيرة من أبناء بني وراين لم تتح لهم الفرص في السابق نيل حظهم من التعليم، لأإن أهلهم وإبان فترة الاستعمار الفرنسي قاطعوا المدرسة الفرنسية كالعديد من المغاربة، خوفا على فلذات ابنائهم من الاستلاب الفرنسي .وبعد خروج الاستعمار الفرنسي، لم يكن حظ أغلب أطفال قبائل بني وراين بأفضل من سابقيهم ، فقد حرم الكثير منهم من الالتحاق بالمدرسة ، ومن أسعفه الحظ ، لم يتمكن من المواصلة بسبب الفقر، والبعد وكل المشاكل السوسيوجغرافية .ومن تمكن منهم من الصمود قلما سار بعيدا على درب التعلم واكتساب المعرفة .لم يكن أمام الشباب المتسرب الذي لفظته المنظومة التربوية سوى أن يعتمد على ما وجد عليه آباءه وأجداده من حرف وأنشطة .وبما أن النشاط الاقتصادي الاساس لبني وراين هو الرعي والفلاحة التقليدية المعيشية ، فقد مارسها الابناء سيرا على خطى الآباء.

وبسبب عوامل استبداد الاستعمار وأزلامه،كان الذي يلتحق بالجيش الفرنسي يحظى بالحصانة ضد استبداد القواد من المتسلطين ، الذين كانوا ينكلون بإخوتهم و بأبناء القبيلة التي ينحدرون منها.هذا المعطى جعل الجندية تكتسب مكانة مرموقة في مخيال السكان البسطاء ، فالشاب الذي يلتحق بالجندية سرعان ما ينتقل من حياة النبذ والتهميش إلى حياة الاعتبار والتقدير.

طبعا الامور الآن تغيرت وتمكن العديد من أبناء قبائل بني وراين من ولوج العديد من الوظائف، وإن كان التعليم نال حصة الاسد من بين كل هذه الوظائف .المدينة بدورها نمت وترعرعت لكن بشكل سريالي، لأن الذين تحملوا المسؤولية في المجلس القروي قبل أن يتحول إلى مجلس بلدي ، كانوا ولاعتبارات سياسية، يأتي مقدمتها في الحر ص على كسب رضا الناس لكي يجد الذين يتقدمون للانتخابات قاعدة لدعمهم والتصويت عليهم .هؤلاء كانوا يسمحون للسكان بأن يبنون بيوتهم دون اعتبار للتصميم العام للمدينة، وبالتالي أصبحت مدينة تاهلة في الغالب الأعم نموذج للبناء العشوائي الذي لا يحترم القوانين المنصوص عليها من قبل وزارة السكنى والتعمير.

وحين انتقلت مدينة تاهلة من المدار القروي إلى المدار الحضري ، وتناوب على رئاسة مجالسها زمرة من المتعلمين ، لم يتحقق المبتغى . ظلت المدينة ،وباستثناء زحف الاسمنت عليها ، بدون مرافق ترفيهية، وبدون محطة طرقية، وغياب المساحات الخضراء، وحتى البنية التحتية لا زالت الأيام تتوالى وكل رئيس يزعم بأن الآلة البيروقراطية هي من يعرقل خروج المشاريع الخاصة بها إلى الوجود ليظل السكان ينتظرون، حائرون يتساءلون متى ستصبح عاصمة بني وراين ، أحدى المدن التي يفخر بها أبناؤها أولا، ولا يستحي البعض منهم من الانتساب إليها ثانيا . السؤال سيظل معلقا ولن يجيب عنه سوى ابنا المدينة طبعا.

المدينة الجميلة مسؤولية الجميع وستظل تحمل ماضي من رأى النور على أرضها . ومهما فر من فر وتنكر من تنكر لها فحتما سيؤول يوما ما قدره إليها.


المقال:  نشر في هسبريس بتاريخ الاثنين 28 شتنبر 2015

هناك تعليقان (2):

  1. لا يختلف اثنان على أن قبيلة بني وراين تشكل نسبة كبيرة في مجمل ساكنة مدينة تاهلة. لكن هذا غير كاف للجزم على أن المدينة عاصمة القبيلة. اذ أن التاريخ يقول أن النزوح الورايني من أعالي الجبال من أجل تغيير نمط العيش الذي كان معتمدا على تربية الماعز فقط لكونه يقاوم برودة أعالي الجبال بقرها و ثلجها, هذا النزوح الذي صادف فترة ما بعد الاستقلال جعل هذه القرية الصغيرة تتسع بصدر رحب لهذه القبيلة. تكفي بعض التساؤلات البسيطة لتأكيد هذه الحقيقة التاريخية, لو كانت القرية كما يتداول بهتانا و زورا أنها عاصمة وراينية, كيف يعقل أن تكون جل الأراضي المتاخمة لها ان لم أقل كلها في ملك قبيلة أخرى يتعمد اقصاؤها من تاريخ المنطقة لحسابات ضيقة تعود الى عصر السيبا و الشوفينية التقليدية? هل يعقل أن يكون صاحب الأرض مالكا لمساحة لا تزيد عن بقعة بنى فيها منزلا ليس الا? لو كان التاريخ كما يقال لم و من أين حصلت القبيلة الأخرى على الأراضي الفلاحية الخصبة المعطاء المتاخمة للقرية المذكورة? امر فعلا محير.

    ردحذف
  2. من المنطقة وأفتخرالجمعة, 01 يوليو, 2016

    مقال فيه بهتان وزور وافتراء حيث أن شباب المنطقة الذين التحقوا بالجيش من قبيلتي آيت سغروشن وآيت ورين معا وأيضا المدينة فيها تجانس بين القبيلتين إضافة إلى بعض العرب القاطنين بالمدينة أو بالأحرى القرية علاوة على جغرافيتها حيث تحدها قبيلة أيت سغروشن من جهات شاسعة. كفاكم كذبا وتضليلا للرأي العام

    ردحذف